عبد الكريم الخطيب

87

التفسير القرآنى للقرآن

والشكر ، وهذا غير صحيح ، فالحياة على أية حال من الأحوال خير من العدم واللّه سبحانه وتعالى يقول : « يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ » ( 52 : الإسراء ) والمراد بالدعوة هنا الدعوة إلى الحشر ، التي يستجيب لها الأموات جميعا بالحمد للّه رب العالمين . ثم إن مجىء الآيات بعد هذا خطابا عاما لبنى إسرائيل ، معدّدة النعم التي أنعم اللّه بها عليهم ، مذكرة بالبعث بين عرض هذا النعم - فيه إيقاظ للشعور بيوم الجزاء ، والعمل له ، وتغليظ للمنكرات التي يقترفها القوم ، في مواجهة هذه النعم الجليلة المتتابعة عليهم . وفي قوله تعالى : « وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ ، وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ، كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ، وَما ظَلَمُونا ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » . . عرض لبعض هذه النعم . . ففي التّيه الذي رماهم اللّه به في الصحراء ، وكتبه عليهم أربعين سنة ، لم تتخلّ عنهم رحمة اللّه ، فساق إليهم الغمام ليظلّهم من وقدة الشمس ، ولفح الهجير ، وأرسل عليهم المنّ والسلوى ، طعاما لا يتكلفون له عملا ، فالمنّ مادة عسلية تفرزها بعض الأشجار ، والسلوى طيور طيبة الطعام هي السّمانى . ولكن هذه الألطاف الرحمانية ، وهذا الطعام الطيب المسوق بقدرة اللّه ، المحفوف برحمته ؛ لم تستسغه هذه النفوس الحيوانية ، فعافته وتنكرت له ، وطلبت ما يملأ معدة الحيوان . . من بقل وقثاء ، وحنطة وعدس وبصل ! ، فكان أن أجابهم اللّه إلى ما طلبوا ، وساقهم سوق الحيوان إلى المرعى الذي يجدون فيه الطعام الذي اشتهوا ! !